الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
163
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هذا استئناف ابتدائي إقبال على خطاب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين بعد أن انقضى وصف ما يلاقي المشركون من العذاب ، وما يدعون من دعاء لا يستجاب ، وقرينة ذلك قوله : وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ [ غافر : 14 ] . ومناسبة الانتقال هي وصفا الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [ غافر : 12 ] لأن جملة يُرِيكُمْ آياتِهِ تناسب وصف العلوّ ، وجملة يُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً تناسب وصف الْكَبِيرِ بمعنى الغنيّ المطلق . والآيات : دلائل وجوده ووحدانيته . وهي المظاهر العظيمة التي تبدو للناس في هذا العالم كقوله : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً [ الرعد : 12 ] وقوله : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [ آل عمران : 190 ] . وتنزيل الرزق من السماء هو نزول المطر لأن المطر سبب الرزق وهو في نفسه آية أدمج معها امتنان ، ولذلك عقب الأمران بقوله : وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ . وصيغة المضارع في يُرِيكُمْ و يُنَزِّلُ تدل على أن المراد إراءة متجددة وتنزيل متجدد وإنما يكون ذلك في الدنيا ، فتعين أن الخطاب مستأنف مراد به المؤمنون وليس من بقية خطاب المشركين في جهنم ، ويزيد ذلك تأييدا قوله : فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ [ غافر : 14 ] . وعدي فعلا ( يرى ) و يُنَزِّلُ إلى ضمير المخاطبين وهم المؤمنون لأنهم الذين انتفعوا بالآيات فآمنوا وانتفعوا بالرزق فشكروا بالعمل بالطاعات فجعل غيرهم بمنزلة غير المقصودين بالآيات لأنهم لم ينتفعوا بها كما قال تعالى : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ العنكبوت : 43 ] فجعل غير العالمين كمن لا يعقل ولا يفقه . ولذلك ذيلت إراءة الآيات وإنزال الرزق لهم بقوله : وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ أي من آمن ونبذ الشرك لأن الشرك يصدّ أهله عن الإنصاف وإعمال النظر في الأدلة . والإنابة : التوبة ، وفي صيغة المضارع إشارة إلى أن الإنابة المحصلة للمطلوب هي الإنابة المتجددة المتكررة ، وإذ قد كان المخاطبون منيبين إلى اللّه كان قوله : وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ دالا بدلالة الاقتضاء على أنهم رأوا الآيات واطمأنوا بها وأنهم عرفوا قدر النعمة وشكروها فكان بين الإنابة وبين التذكر تلازم عادي ، ولذلك فجملة وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ تذييل .